أستاذ مرسي شخص بيصحى بدري، والنهاردة الصبح في الوقت اللي كان بيتمشى فيه قبل الفطار لقى دكتور رجب اللي قاله إنهم إستدعوه بشكل سريع في بيت إخواته… وطبعا راح أستاذ مرسي مع الدكتور، ولما وصلوا هناك لقوا حاجة غريب جداً…
لقى أستاذ مرسي إخواته قاعدين على الترابيزة زي ما سابهم إمبارح، وكانت أوراق الكوتشينة متبعترة قدامهم، والشموع سايحة، وكانت أخته بسنت قاعدة على كرسيها جثة هامدة… أما الأخين فكانوا قاعدين جنبها بيضحكوا، وبيغنوا كإنهم إتجننوا.
كان على ملامحهم هما التلاتة… الآنسة بسنت، والراجلين اللي إتجننوا… ملامح رعب شديدة ظاهرة على وشهم…
مكانش في أي حد في البيت غير مدام بسمة العجوزة، وهي الطباخة، والمسؤولة عن البيت… وقالت إنها نامت، وما سمعتش أي حاجة بالليل…. مفيش أي حاجة إتسرقت، أو إتحركت من مكانها…
مفيش أي تفسير عن سبب حالة الرعب الشديدة اللي وصلت الآنسة بسنت للم\\وت، وخلت إخواتها الرجلين في حالة جنون كامل… هو ده اللي حصل يا أستاذ عمر بإختصار… لو قدرت توضحلنا اللي حصل هتكون قدمتلنا مساعدة كبيرة.
كنت أتمنى إني أقدر أقنع صديقي عمر إننا نرجع للهدوء، والراحة اللي كانت السبب الأساسي في رحلتنا، وما نمشيش وراء المشاكل، والمتاعب اللي إحنا هربانين منها… بس بمجرد ما بصيت على وش عمر المنفعل، وحواجبه المضمومة فهمت إن أي كلمة هقولها هتكون مش مفيدة…
قعد عمر فترة ساكت، وسرحان في الكلام اللي قاله الدكتور، وفي الآخر قال.
عمر: أنا هبص على الموضوع ده… واضح إن الحادثة غريبة… إنت رحت هناك بنفسك يا دكتور رامي؟
دكتور رامي: لأ يا أستاذ عمر… أستاذ مرسي جه لبيتي، وهو اللي حكالي القصة، وجيت معاه بسرعة علشان نطلب مساعدتك.
عمر: قد إيه البيت اللي حصلت فيه الحادثة بعيد عن هنا؟
دكتور رامي: بعيد عننا بحوالي ميل.
عمر: طيب هنتمشى لهناك… بس قبل كده محتاج إني أسألك شوية أسئلة يا أستاذ مرسي تامر.
فضل أستاذ مرسي ساكت طول الوقت بس أنا كنت ملاحظ إن هو متوتر، وبيحاول يتحكم في أعصابه.. كان وشه باهت، وباين عليه التعب، وبيبص لعمر بقلق، ومشبك إيده في بعض بشكل متوتر، ومتشنج… كانت شفايفه باهته، وبتترعش لما كان قاعد، وبيسمع إيه اللي حصل لأسرته، وكان ظاهر عليه كإنه بيشوف مشهد مرعب قدام عيني.
أستاذ مرسي: إتفضل يا أستاذ عمر أسأل اللي حضرتك عايزه… رغم إن الموضوع صعب، وأنا مش عايز أتكلم فيه إلا إني هجاوب على أسئلتك.
عمر: إحكيلي عن ليلة إمبارح.
أستاذ مرسي: حاضر يا أستاذ عمر… إحنا أكلنا العشا مع بعض هناك زي ما قال دكتور رامي… وطلب أخويا الكبير إننا نلعب مع بعض ورق كوتشينة… قعدنا نلعب تقريباً الساعة 9:00، وعلى الساعة 10:15 قمت علشان أمشي، وسبتهم قاعدين مع بعض حوالين ترابيزة السفرة، وكانوا مبسوطين جداً.
عمر: مين اللي وصلك لبرة؟
أستاذ مرسي: كانت مدام بسمة مسؤولة البيت نامت… فرحت لوحدي، وقفلت باب الأوضة ورايا، وكان شباك الأوضة الإزاز مقفول بس الشيش كان مفتوح.
مفيش حاجة إتغيرت في الباب، أو الشباك النهاردة الصبح مفيش شك إن في أي حد غريب دخل البيت، وبالرغم من ده كانوا قاعدين هناك، وكان إخواتي شكلهم هما الإتنين فقدوا عقلهم من الخوف، وعزيزتي بسنت جثة هامدة بملامح مرعوبة، وراسها واقعة من دراع الكرسي… عمري ما هقدر أنسى شكل الأوضة، ولا يروح من بالي طول ما أنا عايش.
عمر: الأحداث زي ما إنت ما بتحكيها باين عليها إن هي غريبة جداً… هل كونت نظرية عن سبب اللي حصل؟
أستاذ مرسي بإنفعال شديد: اللي حصل ده عمل شيطاني يا أستاذ عمر في حاجة دخلت الأوضة، وخلتهم بالشكل المرعب ده، وجننتهم كده… إيه الحاجة اللي ممكن تعمل كده؟
عمر: أعتقد إن الأمر لو مش بشري فالموضوع هيبقى بعيد عن مجال شغلي… على العموم إحنا هنبدأ بالتفسيرات الطبيعية قبل ما نوصل للنظرية دي…
بالنسبالك يا أستاذ مرسي أنا شايف إنك إنفصلت عن عيلتك… هما كلهم عايشين مع بعض، وإنت عايش في مكان منفصل عنهم مش كده؟
أستاذ مرسي: ده صحيح يا أستاذ عمر الموضوع ده قديم جداً… كانت عيلتنا بتشتغل في التعدين، وبعنا المشروع بتاعنا لشركة كبيرة، وكان معانا مبلغ كبير من الفلوس… كان في شوية حقد، ومشاكل بسبب تقسيم الفلوس، وفضل الموضوع ده فترة… بس إحنا نسينا كل حاجة، وعدينا الأمر، وبقينا قريبين من بعض تاني.
عمر: وإنت بتفتكر اللي حصل في الليلة دي هل في حاجة بتفتكرها ممكن تكون ليها علاقة بالحادثة اللي حصلت؟ فكر يا أستاذ مرسي أي حاجة ممكن تساعد.
أستاذ مرسي: مش فاكر أي حاجة يا أستاذ عمر.
عمر: هل كان إخواتك في حالتهم النفسية المعتادة؟
أستاذ مرسي: كانوا في أحسن حال.
عمر: هل كان إخواتك أشخاص عصبية؟ هل كان ظاهر عليهم اليوم ده إنهم خايفين من حاجة؟
أستاذ مرسي: مكانش باين عليهم أي حاجة.
عمر: معندكش حاجة تضيفها تساعدني؟
سكت مرسي تامر للحظة، وبعد كده قال: في حاجة واحدة بس جايه في بالي… لما كنا قاعدين على ترابيزة السفرة كان ضهري للشباك، وكان أخويا قاعد قدامي… شفت أخويا في مرة، وهو بيبص ورايا، ولما لفيت، وبصيت أنا كمان كان الشيش مفتوح، والإزاز مقفول بتاع الشباك، وكنت قادر أشوف الشجر الموجود في الجنينة… حسيت للحظة إن في حاجة بتتحرك ما بين الشجر بس مقدرتش أتأكد هل كان شخص، ولا حيوان… كل اللي حسيته إن في حاجة هناك، ولما سألت أخويا بيبص على إيه قالي إن عنده نفس الإحساس… هو ده اللي أقدر أقوله.
عمر: ماقمتش تتأكد من الأمر؟
أستاذ مرسي: لأ إعتبارنا إن الموضوع مش مهم.
عمر: يعني سبتهم، ومكانش فيه وجود لأي مشكلة مش كده؟
أستاذ مرسي: مكانش فيه أي حاجة أبدا.
عمر: مش واضح ليا إزاي إنت عرفت باللي حصل بدري جداً النهاردة الصبح.
أستاذ مرسي: من عادتي إني بصحى الصبح بدري، وبتمشى شوية قبل الفطار، والنهاردة الصبح لسه هبدأ تمشيتي قابلت دكتور القرية في عربيته، وقالي إن مدام بسمة بعتت ولد يطلبه بشكل مستعجل… ركبت معاه العربية، ورحنا إحنا الإتنين، ولما وصلنا شوفنا الشكل المرعب للأوضة.
كان واضح إن النار، والشموع إتقفلت من ساعات، وإنهم قعدوا في الضلمة لغاية الفجر… الدكتور قال إن أختي إنتهت حياتها من ست ساعات على الأقل… مكانش في أي شكل من أشكال العنف… كانت نايمة على دراع الكرسي، ووشها فيه نظرة غريبة.
أما أخواتي الإتنين فكانوا بيغنوا، وبيضحكوا زي المجانين… الموضوع مرعب مقدرتش أستحمله… حتى إن الدكتور نفسه وشه بقى باهت زي الورقة البيضا، وكان هيقع مغمى عليه على الكرسي.
عمر، وهو بيقوم من على الكرسي: شيء غريب جداً… أعتقد إن من الأفضل إننا نروح من غير أي تأخير… أنا ما شفتش قضية ظهر عليها من اللحظة الأولى إنها غريبة، وفريدة من نوعها زي القضية دي.
في اليوم الأول مقدرناش إننا نستفيد بشكل كبير في تحرياتنا، إلا إن في حاجة حصلت في اليوم ده خلتني متشائم… لما قربنا من المكان اللي حصلت فيه الحادثة لقينا نفسنا في طريق ريفي مش مستقيم، وضيق، ولما كنا ماشيين فيه سمعنا صوت عربية جايه ناحيتنا، وقفنا جنب الطريق عشان نخليها تعدي، وفي الوقت اللي بتعدي فيه العربية بصيت من الشباك المقفول شفت وش شخص مكشر، ووشه بشع بيبصلنا… كانت عينه بتبصلنا، وأسنانه بتجز على بعضها… كان منظر مرعب.
أستاذ مرسي بإنفعال: إخواتي هياخدوهم لمستشفى المجانين.
بصينا كلنا على العربية السودا اللي كانت بتتحرك ببطء، وبدأنا نسرع في خطواتنا ناحية البيت المشؤوم اللي حصلت فيه الحادثة الغريبة.
كان بيت ضخم فيه جنينة كبيرة مليان بالأزهار، والورود… من الجنينة شفنا شباك أوضة الجلوس اللي من رأي أستاذ مرسي تامر إن دخل من الشباك ده حاجة شريرة هي اللي رعبت إخواته، وجننتهم.
إتحرك عمر ببطء بين الورود، وفي الممر قبل ما ندخل الطرقة… كان عمر سرحان في تفكيره لدرجة إنه إتكعبل في جردل المية فوقعت الميه على رجلينا، وفي الممر.
دخلنا البيت، وقابلنا مسؤولة البيت العجوزة مع بنت تانية صغيرة… جاوبت مدام بسمة على كل أسئلة عمر بسهولة… هي ما سمعتش حاجة بالليل كان كل الناس اللي في البيت كويسة، وفي حالة نفسية جميلة، وفرحانين، ومبسوطين.
أغمى علي مدام بسمة من الرعب لما دخلت الأوضة، وشافت الاشخاص المرعوبين حوالين الترابيزة، ولما فاقت فتحت الشباك علشان تدخل الهوا جوه الأوضة، وجريت في الطرقة نادت لولد صغير إنه يبلغ الدكتور…
كان جسم الآنسة بسنت في أوضتها في الدور اللي فوق… أما الأخين فشلوهم أربع رجالة أقويا ، ودخلوهم للعربية عشان يودوهم مستشفى المجانين…
حتى مدام بسمة نفسها كانت مش هتقعد في البيت يوم تاني، وكانت عايزة تمشي في نفس اليوم بالليل، وترجع لأهلها في قرية تانية.
طلعنا السلام، وشفنا جسم الآنسة بسنت… بنت جميلة رغم إنها قربت على الأربعين… كان ملامح وشها جميلة حتى وهي ميتة… كان ظاهر على ملامحها تشنجات رعب… واضح ان هي دي اخر مشاعر عاشتها…
نزلنا من أوضتها لأوضة الجلوس في المكان اللي حصلت فيه الحادثة… شوفنا الرماد المحروق، والنار اللي كانت شغالة طول الليل في الدفاية، وكان على الترابيزة أربع شمعات دايبين، ومحروقين، وكانت أوراق الكوتشينة متبعترة على الترابيزة… إتحركت الكراسي لورا عشان تتسند على الحيطة غير كده كل حاجة زي ما هي من إمبارح بالليل.
إتحرك عمر حركات سريعة في الأوضة، وقعد على الكراسي المختلفة، ورفعها لفوق، ورجع حطها تاني في مكانها… كمان فحص الجزء اللي يقدر يشوفه من الجنينة… فحص الأرضية، والسقف، والدفاية… ووقتها شفت لمعان في عينه، وضغط على شفايفه، واللي اخدت بالي إنه إكتشف ضوء صغير في الضلمة الشديدة.
عمر: ليه شغلوا الدفاية؟ هل من عادتهم إنهم يشغلوا النار في الأوضة الصغيرة في أيام الربيع.
كان رد أستاذ مرسي إن الليلة دي كانت برد، ورطوبة، وعشان كده ولعوا النار… بعد شوية سأل أستاذ مرسي عمر: إيه اللي إنت بتعمله يا أستاذ عمر؟
إبتسم عمر، وحط إيده على دراعي، وقال: لو سمحت إحنا هنرجع دلوقتي لبيتنا الصغير… أعتقد ان مفيش حاجة جديدة هنا… أنا هفكر كويس في اللي حصل يا أستاذ مرسي، ولو في حاجة جت في دماغي هتكلم معاك، ومع الدكتور رامي بالتأكيد… دلوقتي أستاذنكم.
عدى وقت طويل بعد ما رجعنا للكوخ… قعد عمر على الكرسي، وفضل يفكر… كانت ملامح وشه حادة، وكان في دخان شديد للبايب بتاعه، وكان مكشر، وحواجبة مضمومة، وعينيه مفيهاش أي تعبير… سرحان، وبيبص بعيد… في الآخر نزل البايب، ووقف، وقال هو بيضحك.
عمر: الموضوع مش هينفع يا أحمد خلينا نتمشي مع بعض، وندور الأحجار النادرة اللي أظن إننا هنلاقيها أسهل من إننا نلاقي إثباتات في القضية دي.. متقدرش تستخدم عقلك من غير عناصر كافية زي متقدرش تشغل موتور العربية بشكل سريع من غير هدف، واللي هيحصل في الآخر إن هو هيبوظ… يلا يا أحمد هوا البحر، وأشعة الشمس، والصبر مستنيانا.
كمل عمر كلامه، وإحنا بنتمشى: خليني أحكيلك دلوقتي يا أحمد الموقف اللي إحنا فيه بهدوء، وأعرضلك الحاجات القليلة اللي إحنا نعرفها… عشان لو ظهرلنا حاجات تانية نكون مستعدين إننا نحطها في مكانها الصح….
في الأول أنا، وإنت مش مستعدين إننا نعترف إن في حاجة غير بشرية ليها تدخل في الأمر… خلينا نخرج النقطة دي من دماغنا… كويس.
هيبقلنا دلوقتي إن تلات أشخاص إتعرضوا لفعل بشري سواء معروف، أو غير معروف… ده اللي إحنا متأكدين منه دلوقتي… إمتى حصل ده؟ على كلام أستاذ مرسي تامر، ولو قلنا إن كلامه صحيح حصل ده بعد ما ساب الأوضة، ومشي… النقطة دي مهمة جداً.
كمان هنفترض إن الأمر ده حصل بعد ما مشي بدقايق، وده لإن أوراق الكوتشينة في مكانها على الترابيزة، وكمان عدي الوقت المعتاد بتاعهم إنهم يروحوا يناموا، ورغم كده ماقموش من مكانهم، أو حركوا الكراسي، وعشان كده أنا بقول إن الحادثة حصلت بعد ما هو ما مشي على طول، ومكانتش الساعة عدت الساعة 11:00 بالليل.
الحاجة التانية اللي قدامنا اللي نحاول نفحصها على قد ما نقدر هي تحركات مرسي تامر بعد ما ساب الأوضة، ومشي… هنلاقي صعوبة في ده، واللي ظاهر ليا إن هي فوق مستوى الشبهات.
إنت عارف طريقتي كويس يا أحمد أكيد إنت اخدت بالك من التمثيلية اللي أنا عملتها، ورشيت المية على الأرض، وعن طريق الحركة دي قدرت اخد أثر واضح لرجلين مرسي… مكنتش هقدر أوصل لأثر رجله غير بالطريقة دي.
كانت آثاره واضحة جداً على الممر الرملي… لو إنت فاكر إمبارح كانت ليلة رطبة، ومكانش صعب إني أحصل على أثر واضح لرجله… تتبعت أثره ، وتحركاته، وواضح إنه مشي في إتجاه بيت الدكتور رامي.



